الشيخ محمد رشيد رضا
662
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أن يتبع ما أوحي اليه من ربه ، بالبيان له والعمل به ، مشيرا بإضافة اسم الرب إلى ضميره ، إلى تعظيم شأنه وتكبيره ، وإلى كون الوحي اليه ( ص ) تربية له في نفسه ، وناصبا إياه إماما لجميع أبناء جنسه ، يتربى به من وفق منهم لاتباعه ، وذلك أن الاقتداء لا يتم الا بمن يعمل بما يعلم ، وبأتمر بما يأمر ، وقرن هذا الامر بكلمة توحيد الألوهية ، لبيان وجوب ملازمته لتوحيد الربوبية ، فكما ان الخالق المربي للاشباح بما أنزل من الرزق ، وللأرواح بما أنزل من الوحي ، واحد لا شريك له في الخلق ولا في الهداية ، فالواجب أن يكون الاله المعبود واحدا لا شريك له في الجزاء على الاعمال بشفاعة ولا ولاية ، فالامر هنا بالاتباع ليس الغرض منه مجرد المداومة عليه ، كما هو الشأن في أكثر من يأمر بالعمل من هو متلبس به ، وانما الغرض منه بيان كونه من متممات التبليغ ، ثم عطف على هذا الامر المقرون بكلمة التوحيد ، أمره ( ص ) بالاعراض عن المشركين ، بأن لا يبالي بأصرارهم على الشرك ، ولا بمثل قولهم له دارست أو درست ، لان الحق يعلو متي ظهر بالقول والعمل مع الاخلاص ، لا يضره الباطل بخرافات الاعمال ولا بزخارف الأقوال ، ثم هون عليه أمر الاعراض عنهم ، بقوله * * * وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا الخ أي ولو شاء اللّه تعالى أن لا يشركوا لما أشركوا ، وذلك أنه لم يخلق البشر مؤمنين طائعين بالفطرة كالملائكة ، وانما خلقهم مستعدين للايمان والكفر ، والتوحيد والشرك ، والطاعة والفسق ، ومضت سنته في ذلك بأن يكونوا عاملين مختارين . فأما غرائزهم وفطرهم فكلها خير ، وأما تصرفهم فيها وكسبهم لعلومهم وأعمالهم فمنه الخير والشر ، وقد فصلنا هذه المسألة من قبل ، وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وأنما أنت بشير ونذير ، واللّه تعالى هو الحفيظ والوكيل عليهم ، وهو مع ذلك لا يسلبهم استعدادهم ، ولا يجبرهم بقدرته على الايمان والطاعة له . إذ لو فعل ذلك لكان اخراجا لهم من جنس البشر إلى جنس آخر . ولعل في الجملتين احتباكا والتقدير : وما جعلناك عليهم حفيظا تحفظ عليهم أعمالهم لتحاسبهم وتجازيهم عليها ، ولا وكيلا تتولى أمورهم وتتصرف فيها ، وما أنت عليهم بوكيل ولا حفيظ بملك ولا سيادة . أي ليس لك ما ذكر من الوصفين بأمرنا وحكمنا ، ولا لك ذلك بالفعل كما يكون نحوه لبعض الملوك بالقهر أو التراضي . . قد تقدم